featured featured

بنيت مشروعك واشتهر اسمه.. فهل يستطيع شخص آخر أن ينتزع منك علامتك التجارية؟

أسبقية استعمال العلامة التجارية أم أسبقية تسجيلها؟ نزاع قد يهدد مستقبل مشروعك في دول الخليج

تخيل أنك أسست مطعماً أو مقهى أو شركة تجارية، واخترت لها اسماً مميزاً، ثم أمضيت سنوات في بناء سمعتها، وأنفقت مبالغ كبيرة على الإعلانات والتسويق، حتى أصبح الاسم معروفاً لدى العملاء ومرتبطاً في أذهانهم بجودة منتجاتك وخدماتك.

وبعد كل هذا النجاح، تتلقى إنذاراً قانونياً من شخص يطالبك بالتوقف عن استخدام اسم مشروعك، وإزالة العلامة من واجهة المحل والمنتجات والموقع الإلكتروني وحسابات التواصل الاجتماعي، بحجة أنه المالك المسجل لهذه العلامة التجارية.

وقد يتجاوز الأمر مجرد الإنذار إلى إقامة دعوى قضائية بطلب منع استعمال العلامة التجارية والمطالبة بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن الاعتداء عليها.

هنا يثور سؤال بالغ الأهمية: هل يستطيع شخص أن يسجل علامة تجارية سبق لغيره استعمالها، ثم يستند إلى هذا التسجيل لحرمان صاحب المشروع الأصلي من الاسم الذي صنع شهرته وارتبط بنشاطه التجاري؟

الإجابة عن هذا السؤال تكشف جانباً مهماً من الحماية القانونية للعلامات التجارية في دول مجلس التعاون الخليجي، وتوضح لماذا قد يجد صاحب مشروع ناجح نفسه مضطراً للدفاع أمام القضاء عن اسم ظل يستعمله سنوات طويلة.

أولاً: من يملك العلامة التجارية.. من استعملها أولاً أم من سجلها أولاً؟

عالج قانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية هذه المسألة في المادة السابعة، والتي قررت في فقرتها الأولى أن من قام بتسجيل العلامة التجارية بحسن نية يعتبر مالكاً لها، وأن ملكيته تستقر وفق الشروط التي حددها القانون متى اقترن التسجيل باستعمال العلامة مدة خمس سنوات على الأقل دون وجود نزاع قضائي بشأنها.

كما أجازت الفقرة الثانية لمن كان أسبق إلى استعمال العلامة ممن سجلت باسمه أن يطلب من المحكمة المختصة إلغاء هذا التسجيل خلال خمس سنوات من تاريخ التسجيل، ما لم يثبت رضاؤه صراحة أو ضمناً باستعمال العلامة من جانب من سجلت باسمه.

ويستفاد من ذلك أن المشرع الخليجي أقام حماية قانونية لصاحب العلامة المسجلة بحسن نية، وفي الوقت ذاته احتفظ لصاحب الاستعمال السابق بحق المنازعة في التسجيل متى توافرت شروطها القانونية.

وتبرز أهمية هذا التنظيم في أنه يراعي حقيقتين متلازمتين، أولاهما ضرورة استقرار ملكية العلامات التجارية وحماية الثقة في سجلاتها، وثانيتهما صيانة الحقوق التي نشأت عن الاستعمال التجاري السابق حتى لا يكون التسجيل وسيلة للاستيلاء على السمعة التجارية التي صنعها الغير.

ومن ثم فإن مجرد حصول شخص على شهادة تسجيل علامة تجارية لا يحسم بالضرورة كل نزاع يتعلق بملكيتها، إذ قد يثبت أن شخصاً آخر سبق إلى استعمال العلامة واكتسب بشأنها حقاً يجيز له المطالبة بإلغاء التسجيل في الحدود التي رسمها القانون.

ثانياً: هل يستطيع شخص تسجيل اسم مشروع قائم بالفعل؟

لنفترض أن شخصاً افتتح مقهى باسم معين في الكويت، واستمر في تشغيله عدة سنوات، وأصبح الاسم معروفاً لدى العملاء، لكنه لم يتخذ إجراءات تسجيل العلامة التجارية لدى الجهة المختصة.

ثم تقدم شخص آخر بطلب تسجيل الاسم ذاته أو علامة تتشابه معه، وحصل على شهادة التسجيل.

في هذه الحالة، يتعين بحث تاريخ استعمال كل طرف للعلامة، وطبيعة النشاط الذي استعملت فيه، ومدى التشابه بين العلامتين والسلع أو الخدمات التي تميزانها، فضلاً عن الظروف التي أحاطت بالتسجيل ومدى توافر حسن النية.

فإذا استطاع صاحب المقهى إثبات أنه كان أسبق إلى استعمال العلامة، فقد يكون له الحق في طلب إلغاء التسجيل اللاحق وفقاً للمادة السابعة من القانون، مع مراعاة المدة المقررة لرفع الدعوى وسائر الشروط القانونية.

أما إذا ثبت أن صاحب المشروع السابق قد رضي صراحة أو ضمناً باستعمال الغير للعلامة، فقد يؤثر ذلك في حقه في المنازعة، بحسب حقيقة الوقائع والأدلة المقدمة.

ولهذا فإن الفصل في مثل هذه المنازعات يتطلب فحصاً دقيقاً للمستندات والظروف المحيطة بنشأة العلامة واستعمالها وتسجيلها.

ثالثاً: كيف تثبت أنك صاحب العلامة التجارية الأصلي؟

تعد مسألة إثبات أسبقية استعمال العلامة التجارية من أهم المسائل العملية في دعاوى ملكية العلامات التجارية وإلغاء تسجيلها.

وقد يعتقد بعض أصحاب المشروعات أن مجرد حصولهم على ترخيص تجاري قديم يكفي لإثبات ملكيتهم للعلامة، مع أن الترخيص التجاري وشهادة تسجيل العلامة التجارية يؤدي كل منهما وظيفة قانونية مختلفة.

فالترخيص قد يثبت تاريخ مزاولة النشاط أو استعمال اسم تجاري، بينما يتطلب إثبات أسبقية استعمال العلامة بيان ارتباط الاسم أو الشعار بالسلع أو الخدمات التي يزاولها صاحب المشروع.

ومن الأدلة التي قد يستند إليها صاحب الحق السابق فواتير البيع القديمة التي تحمل العلامة، والعقود التجارية، والإعلانات المنشورة، ومواد التغليف، وصور واجهات المحلات المؤرخة، والمراسلات مع العملاء والموردين، والمستندات التي تثبت استعمال العلامة في التعاملات التجارية.

كما قد تكون للمواقع الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي أهمية في إثبات تاريخ استعمال العلامة وانتشارها، متى أمكن التحقق من صحة هذه الأدلة ونسبتها إلى صاحب المشروع.

وتزداد قوة هذه المستندات كلما اتصلت مباشرة بالعلامة محل النزاع وأثبتت استعمالها استعمالاً تجارياً فعلياً في تاريخ سابق على تسجيلها باسم الغير.

ولهذا ينبغي لأصحاب المشروعات الاحتفاظ بسجل منتظم للمستندات التي تثبت تطور علاماتهم التجارية منذ بداية النشاط، إذ قد تصبح هذه الأوراق بعد سنوات الدليل الحاسم في نزاع تتوقف عليه استمرارية المشروع.

رابعاً: هل يسقط حقك في الاعتراض على تسجيل العلامة التجارية بعد خمس سنوات؟

من المسائل التي تستحق اهتماماً خاصاً أن قانون العلامات التجارية الخليجي وضع تنظيماً زمنياً للمنازعة في ملكية العلامة المسجلة.

فالمادة السابعة أجازت لصاحب الاستعمال السابق طلب إلغاء التسجيل خلال خمس سنوات من تاريخ تسجيل العلامة، كما قررت حماية ملكية من سجلها بحسن نية إذا اقترن التسجيل باستعمالها مدة خمس سنوات على الأقل دون نزاع قضائي بشأنها.

ومؤدى ذلك أن صاحب المشروع الذي يعلم بتسجيل علامته باسم شخص آخر ينبغي له المبادرة إلى دراسة مركزه القانوني واتخاذ الإجراءات المناسبة قبل انقضاء المواعيد المقررة.

غير أن بحث أثر مرور السنوات الخمس يقتضي التمييز بين التسجيل الذي تم بحسن نية والتسجيل الذي تحيط به شبهة سوء النية، وكذلك بين دعوى المنازعة في الملكية وغيرها من الدعاوى التي قد تنشأ عن تسجيل العلامة بغير وجه حق.

فقد أجازت المادة الثانية والعشرون من القانون للجهة المختصة ولكل ذي شأن طلب شطب العلامة التي سجلت بغير وجه حق، مع مراعاة أحكام المادة السابعة.

ولهذا فإن تحديد مدى جواز الطعن في التسجيل بعد مضي خمس سنوات يستلزم دراسة سبب الطعن وظروف التسجيل والنصوص واجبة التطبيق في الدولة المعنية، ولا يصح افتراض أن انقضاء هذه المدة يؤدي في جميع الأحوال إلى تحصين كل تسجيل مهما كانت الظروف التي أحاطت به.

خامساً: هل تسجيل الاسم التجاري يغني عن تسجيل العلامة التجارية؟

يقع كثير من أصحاب الشركات والمطاعم والمحلات التجارية في خطأ الاعتقاد بأن تسجيل الاسم التجاري عند تأسيس المشروع يوفر تلقائياً الحماية ذاتها التي يكفلها تسجيل العلامة التجارية.

والواقع أن لكل منهما وظيفة قانونية متميزة.

فالاسم التجاري يستخدم في تمييز المنشأة أو التاجر في معاملاته التجارية، بينما تؤدي العلامة التجارية وظيفة أساسية تتمثل في تمييز السلع أو الخدمات عن غيرها.

وقد يتطابق الاسم التجاري مع العلامة التي يستخدمها المشروع، كما قد يختلفان تماماً.

فعلى سبيل المثال، قد تمارس شركة نشاطها تحت اسم تجاري معين، بينما تطرح منتجاتها في الأسواق تحت علامة تجارية أخرى.

ومن ثم فإن حصول الشركة على ترخيص بمزاولة النشاط تحت اسم معين يستلزم النظر بصورة مستقلة في مدى توافر الحماية القانونية لذلك الاسم بوصفه علامة تجارية، وفي مدى وجود علامات سابقة مطابقة أو مشابهة له.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند تأسيس المشروعات الجديدة، إذ قد ينفق المستثمر مبالغ كبيرة على تصميم الهوية البصرية والتسويق قبل أن يكتشف وجود علامة تجارية مسجلة للغير تتعارض مع الاسم الذي اختاره.

سادساً: هل تسجيل العلامة التجارية في الكويت يحميها في السعودية والإمارات وبقية دول الخليج؟

من الأخطاء الشائعة بين أصحاب المشروعات الاعتقاد بأن وجود قانون موحد للعلامات التجارية في دول مجلس التعاون يعني أن تسجيل العلامة في إحدى دول المجلس يمنح صاحبها تلقائياً حقاً حصرياً في جميع الدول الأخرى.

فالقانون الخليجي الموحد ينظم الأحكام المتعلقة بالعلامات التجارية، بينما تتم إجراءات التسجيل والحماية وفق النظام المطبق لدى الجهات المختصة في كل دولة.

ولهذا فإن تسجيل العلامة التجارية في الكويت لا يعني بذاته تسجيلها في السعودية أو الإمارات أو قطر أو البحرين أو سلطنة عمان.

وتظهر خطورة هذه المسألة عند توسع الشركات الخليجية في أسواق جديدة، فقد تكتشف شركة نجحت في دولة معينة أن العلامة التي اشتهرت بها سبق تسجيلها باسم شخص آخر في الدولة التي ترغب في دخول سوقها.

وقد تترتب على ذلك منازعات قانونية تتعلق بحق استعمال العلامة أو تسجيلها أو استيراد المنتجات التي تحملها.

ومن هنا تبرز أهمية وضع استراتيجية لحماية العلامة التجارية في الأسواق المستهدفة، تبدأ بالبحث عن العلامات السابقة قبل إطلاق المشروع، وتمتد إلى اتخاذ إجراءات التسجيل المناسبة في الدول التي يعتزم صاحب المشروع ممارسة نشاطه فيها.

سابعاً: كيف تحمي علامتك التجارية من التقليد أو التسجيل باسم الغير؟

تبدأ الحماية الفعالة للعلامة التجارية قبل ظهور النزاع.

فمن الأفضل لصاحب المشروع أن يجري بحثاً عن العلامات التجارية المسجلة أو المطلوب تسجيلها قبل اعتماد الاسم أو الشعار، وأن يتحقق من مدى تميزه وإمكان تسجيله عن السلع والخدمات التي يعتزم تقديمها.

وبعد اختيار العلامة، ينبغي المبادرة إلى تسجيلها لدى الجهة المختصة، مع الاحتفاظ بالمستندات التي تثبت تاريخ استعمالها، ومتابعة طلبات تسجيل العلامات المشابهة لاتخاذ الإجراءات القانونية عند الاقتضاء.

كما ينبغي تنظيم ملكية العلامة في المشروعات التي يشترك في تأسيسها أكثر من شخص، وتحديد صاحب الحق فيها بصورة واضحة، حتى لا ينشأ نزاع مستقبلي بين الشركاء حول ملكية الاسم الذي اشتهر به المشروع.

وفي حالة اكتشاف تسجيل العلامة باسم الغير، فإن الخطوة الأولى تتمثل في الحصول على بيانات التسجيل وفحص تاريخ استعمال العلامة وطبيعة السلع والخدمات المشمولة بالحماية، ثم تحديد الإجراء القانوني المناسب، سواء كان الاعتراض على طلب التسجيل أو طلب إلغائه أو شطبه أو اتخاذ إجراءات أخرى لحماية الحقوق.

ثامناً: أسئلة شائعة عن ملكية العلامات التجارية في دول الخليج

هل يمكنني استخدام علامة تجارية غير مسجلة؟

يمكن أن تنشأ عن الاستعمال السابق حقوق يحميها القانون في ظروف معينة، إلا أن عدم التسجيل قد يعرض صاحب المشروع لصعوبات في إثبات حقه ومواجهة الغير، فضلاً عن ضرورة التحقق من عدم اعتداء العلامة على حقوق سابقة.

هل يمكن رفع دعوى لإلغاء علامة تجارية مسجلة باسم شخص آخر؟

نعم، متى توافرت الشروط القانونية، ومن بينها الحالات المتعلقة بأسبقية استعمال العلامة أو تسجيلها بغير وجه حق، مع مراعاة المواعيد والإجراءات المقررة.

هل تشابه اسمين تجاريين يكفي لقيام الاعتداء على العلامة التجارية؟

يتوقف الأمر على طبيعة التشابه ومدى احتمال وقوع الجمهور في اللبس، والسلع أو الخدمات محل النشاط، وسائر الظروف المؤثرة في تقدير الاعتداء.

هل يحق لشخص تسجيل علامة تجارية يستخدمها غيره منذ سنوات؟

مجرد سبق الغير إلى استعمال العلامة قد يكون أساساً للمنازعة في التسجيل اللاحق، وفقاً للشروط التي يقررها القانون، ولا سيما ما يتعلق بإثبات الاستعمال السابق وحسن النية والمدة المقررة للطعن.

هل تسجيل العلامة التجارية يحمي اسم حساب إنستغرام الخاص بالمشروع؟

قد يسهم تسجيل العلامة في حماية صاحبها من استعمال الغير لاسم مطابق أو مشابه في النشاط التجاري إذا توافرت شروط الاعتداء، مع مراعاة القواعد الخاصة بأسماء المستخدمين وسياسات المنصات الإلكترونية.

الخاتمة: اسم مشروعك قد يكون أهم أصولك التجارية

قد تبدأ العلامة التجارية بكلمة بسيطة أو شعار صغير، ثم تتحول بمرور السنوات إلى أصل تجاري بالغ القيمة، تتجسد فيه سمعة المشروع وثقة العملاء وما أنفقه صاحبه على التسويق وبناء الحضور في السوق.

ولهذا فإن النزاع على ملكية العلامة التجارية قد يمتد أثره إلى مستقبل النشاط بأكمله، خصوصاً عندما يكون الاسم محل النزاع هو العنصر الذي يعرف به الجمهور المشروع ومنتجاته.

وقد حرص قانون العلامات التجارية الخليجي على تنظيم العلاقة بين التسجيل والاستعمال السابق، ووضع ضوابط لحماية الملكية المستقرة، مع إتاحة وسائل قانونية للمنازعة في التسجيل الذي يمس حقوق الغير.

ويبقى الدرس الأهم لكل صاحب مشروع أو شركة في دول الخليج أن حماية العلامة التجارية ينبغي أن تبدأ منذ تأسيس النشاط، وأن المبادرة إلى تسجيلها وتوثيق استعمالها ومراقبة الاعتداءات عليها قد تجنب المشروع منازعات مكلفة تهدد الاسم الذي استغرق بناؤه سنوات.

فقد يكون الاسم الذي بدأت به مشروعك أحد أكثر أصولك قيمة، وقد يصبح الحفاظ عليه يوماً أهم من المحافظة على مقر المشروع ذاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *