ميزان العدالة بين المباني الخاصة والمشروعات العامة أمام مدينة ساحلية

المشروعات العامة بين حق الدولة في استرداد أراضيها وحق الأفراد في جبر الضرر

بقلم المستشار محمود الشعراوي

لا خلاف على حق الدولة في التخطيط لمستقبل أراضيها، وإعادة تخصيصها، واسترداد ما سبق أن سمحت للأفراد بالانتفاع به متى أصبح لازما لتنفيذ مشروع يحقق المصلحة العامة، كما لا يمكن أن تتحول تراخيص الانتفاع المؤقتة، مهما طال أمدها، إلى ملكية دائمة تقيد قدرة الدولة على التطوير أو تحول بينها وبين تنفيذ مشروعاتها التنموية.

غير أن ممارسة هذا الحق تثير أحيانا مسألة أخرى مستقلة لا تتعلق بمشروعية استرداد الأرض في ذاتها، وإنما بما يكون قد حدث خلال السنوات السابقة على الاسترداد، وبالآثار المالية التي لحقت بأشخاص ظلوا طوال تلك الفترة يتعاملون مع الجهات الإدارية بصورة مشروعة، وتتجدد تراخيصهم، وتصدر لهم الموافقات اللازمة للبناء، وتقام منشآتهم وتصل إليها المرافق والخدمات، بل وقد تنتقل حقوق الانتفاع من شخص إلى آخر بموافقة الجهات المختصة، ثم تنتهي هذه المراكز جميعها عندما تنتقل الدولة من مرحلة التخطيط لمشروع عام إلى مرحلة تنفيذه.

وتظهر أهمية هذه المسألة بصورة أوضح في المشروعات الكبرى التي تستغرق فترة طويلة بين ظهورها في المخططات الأولية وبين بدء تنفيذها على أرض الواقع، وخاصة عندما يكون الموقع المخصص للمشروع مشغولا بالفعل بمنتفعين تربطهم بالدولة علاقات قانونية قائمة.

فليس من المستغرب أن يستغرق مشروع تنموي كبير سنوات من الدراسة والتخطيط، وأن تتغير خلال تلك السنوات مكوناته أو أولوياته أو توقيت تنفيذه، فالمشروعات العامة لا تولد مكتملة، وقد تتطلب دراسات فنية واقتصادية وبيئية، وقد يعاد تصميمها أو تأجيلها أو تعديل نطاقها قبل أن تستقر الدولة على الصورة النهائية لها.

ومن ثم، فإن مجرد وجود مشروع ضمن مخطط قديم لا يعني أن الإدارة كان يتعين عليها منذ اليوم الأول أن توقف جميع صور الانتفاع القائمة داخل نطاقه، لأن ذلك قد يؤدي إلى تجميد مساحات واسعة من أراضي الدولة لسنوات لمجرد احتمال استخدامها مستقبلا.

إلا أن الأمر يختلف عندما يتقدم المشروع في مراحله، وتصبح احتمالات تنفيذه أكثر جدية، بينما تستمر في الوقت ذاته التصرفات الإدارية التي تسمح بضخ استثمارات جديدة داخل الموقع.

فالفرد الذي يتعامل مع الإدارة لا يملك الاطلاع على الدراسات الداخلية أو المراسلات المتبادلة بين الجهات الحكومية، ولا يعرف متى يتحول المشروع الموجود على الورق إلى مشروع قابل للتنفيذ، وإنما يبني قراراته في الأساس على ما يصدر إليه من الجهات المختصة.

وحين يتجدد له حق الانتفاع، وتصدر له رخصة بناء، ويسمح له بإقامة منشآت، وتستمر المرافق والخدمات، أو توافق الإدارة على انتقال حق الانتفاع إليه مقابل مبالغ مالية تحملها، فإنه يتخذ قراره بالإنفاق والاستثمار في ضوء واقع إداري ظاهر أمامه يفيد بأن مركزه القانوني ما زال قائما.

وهنا تحديدا تظهر مسؤولية التخطيط المبكر.

فالمشكلة ليست في أن الدولة قررت بعد سنوات تنفيذ مشروع جديد، ولا في أنها احتاجت الأرض لتحقيق منفعة عامة أكبر، وإنما في أن الفاصل الزمني بين التخطيط والتنفيذ قد يسمح بنشوء استثمارات ونفقات جديدة كان من الممكن الحد منها لو تغيرت طريقة إدارة الموقع تدريجيا مع تقدم المشروع واقترابه من التنفيذ.

ولا يحمل الحديث عن قصور في التخطيط أو التنسيق أي إساءة إلى الدولة أو تشكيك في الغاية من المشروع، فالعمل الإداري بطبيعته عمل مؤسسي معقد، وقد تشترك في المشروع الواحد جهات متعددة، وقد تتغير الأولويات والظروف الاقتصادية والفنية، كما قد تكون الجهة التي تخطط للمشروع مختلفة عن الجهة التي تدير أملاك الدولة أو تصدر تراخيص البناء أو توافق على انتقال حقوق الانتفاع.

لكن تعدد الجهات لا ينبغي أن يجعل الفرد هو من يتحمل وحده في النهاية تكلفة غياب التنسيق بينها.

فمتى بلغ المشروع مرحلة أصبحت معها احتمالات تنفيذه جدية، كان من الممكن إعادة النظر في إصدار تراخيص جديدة، أو تقييد إنشاء مبان ومنشآت مرتفعة التكلفة، أو وقف الموافقة على انتقال حقوق الانتفاع الجديدة، أو على الأقل إخطار من يدخل في استثمار جديد بأن الموقع أصبح ضمن نطاق مشروع عام يجري الإعداد لتنفيذه.

وعندئذ يصبح الفرد على بينة من حقيقة المخاطرة التي يقدم عليها؛ فإن قرر الاستثمار بعد ذلك كان قراره مبنيا على معرفة واضحة بالوضع، أما استمرار التعامل معه لسنوات بالطريقة ذاتها ثم مطالبته وحده بتحمل كامل الخسارة عند الانتقال إلى التنفيذ، فهو ما يثير مسألة العدالة في توزيع آثار المشروع العام.

ومن هنا يجب الفصل بين حق الدولة في استرداد الأرض وبين الحق في جبر الضرر الناشئ عن استردادها.

فالمطالبة بالتعويض لا تعني الادعاء بملكية أرض الدولة، ولا تحويل حق الانتفاع المؤقت إلى حق دائم، ولا مطالبة الدولة بالتراجع عن مشروعها، وإنما تتعلق بأموال حقيقية أنفقها أفراد خلال فترة كانت علاقتهم بالإدارة فيها قائمة ومشروعة، وبمنشآت أقيمت استنادا إلى تراخيص وموافقات رسمية، ثم فقدت قيمتها بالنسبة إليهم نتيجة إنهاء الانتفاع بالموقع.

وقد تتضمن عقود الانتفاع في مثل هذه الحالات شروطا تمنح الإدارة الحق في إنهاء الترخيص متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، بل وقد تتضمن نصوصا بعدم أحقية المنتفع في مطالبة الجهة الإدارية بالتعويض عند انتهاء الترخيص أو إلغائه، وهي شروط لها أهميتها ولا يجوز تجاهلها عند تحديد المركز القانوني لأطراف العلاقة.

إلا أن قراءة العقد لا ينبغي أن تتم بمعزل عن التنظيم القانوني الكامل الذي يحكم أملاك الدولة؛ إذ قد تتضمن اللوائح المنظمة لهذه الأموال أحكاما خاصة بالحالة التي تنهي فيها الإدارة الترخيص لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة، وتقرر انتقال ملكية المباني والمنشآت الثابتة المقامة على الأرض إلى الدولة مقابل تعويض يتم تقديره بواسطة الجهة المختصة.

وتظهر هنا أهمية التفرقة بين قيمة حق الانتفاع بالأرض وبين قيمة المباني والمنشآت التي أقيمت عليها بصورة مشروعة.

فالمنتفع الذي انتهى حقه لا يطالب بثمن الأرض المملوكة للدولة، ولا يفترض أن له حقا مكتسبا في استمرار الانتفاع بها، وإنما ينصب البحث على مصير ما أقامه فوق هذه الأرض من مبان ومنشآت بموافقة الإدارة، وما إذا كان النظام القانوني يمنحه مقابلا عنها عند انتهائها إلى الدولة بسبب تنفيذ المشروع العام.

ولا يقف الأمر عند قيمة المباني والمنشآت وحدها، لأن هناك جانبا آخر يرتبط بالسلوك الإداري السابق على الإنهاء، وبمدى مساهمة هذا السلوك في زيادة حجم الضرر الذي وقع في النهاية.

وهنا تظهر أهمية الأمن القانوني والثقة المشروعة باعتبارهما من المبادئ التي تساعد على تحقيق التوازن بين قدرة الإدارة على تغيير سياساتها وبين حاجة الأفراد إلى قدر معقول من الاستقرار يمكنهم من ترتيب قراراتهم المالية.

ولا تعني الثقة المشروعة أن تجديد الترخيص عدة مرات يحوله إلى ترخيص أبدي، كما لا تعني أن إصدار رخصة بناء يمنع الدولة من تغيير تخطيط المنطقة مستقبلا، وإنما تعني في أبسط صورها أن التصرفات الإيجابية المتتابعة الصادرة عن الإدارة تؤثر بطبيعتها في القرارات التي يتخذها الفرد، وأنه لا يمكن عند تقييم الضرر تجاهل حقيقة أنه أنفق أمواله في ظل موافقات رسمية صدرت ممن يملك إصدارها.

ومن ثم، فإن مسألة التعويض لا يمكن التعامل معها بصورة جماعية مجردة، وإنما يجب النظر إلى الظروف الخاصة بكل منتفع، فتاريخ بدء الانتفاع، وعدد مرات التجديد، وتوقيت إقامة المباني، والتراخيص الصادرة بشأنها، وتوقيت انتقال حق الانتفاع إن وجد، وقيمة الأموال التي أنفقت، والموافقات الصادرة من الجهات المختصة، والمرحلة التي كان قد وصل إليها المشروع العام وقت إجراء كل تصرف، كلها عناصر تساعد على التمييز بين من استثمر في وقت لم يكن فيه التنفيذ قريبا أو معلوما، وبين من دخل في استثمار وهو يعلم بالفعل أن الإخلاء أصبح وشيكا.

ولهذا فإن دراسة الضرر في مثل هذه الحالات لا ينبغي أن تبدأ من تاريخ وصول إخطار الإخلاء، لأن هذا التاريخ يمثل نهاية القصة وليس بدايتها.

البداية الحقيقية تكون بالرجوع إلى تاريخ المشروع نفسه، ومراحل تطوره، وما قابل كل مرحلة منها من تصرفات صدرت عن الإدارة تجاه المنتفعين، وصولا إلى المرحلة التي أصبح عندها تنفيذ المشروع أمرا جديا، ثم النظر فيما إذا كانت سياسة التراخيص والبناء والتنازلات قد تغيرت بما يتناسب مع هذا التطور أم ظلت مستمرة بالصورة ذاتها.

ومن هذه الزاوية، لا يكون التعويض – متى ثبت سنده وتوافرت عناصره – عقوبة توقع على الدولة لأنها نفذت مشروعا عاما، ولا اعترافا بخطأ المشروع نفسه، وإنما وسيلة قانونية لتوزيع الأعباء الناتجة عن تحقيق المصلحة العامة بصورة أكثر عدالة.

فالمشروع العام يعود نفعه في النهاية على المجتمع كله، بينما قد تتركز بعض تكاليفه في عدد محدود من الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى التخلي عن منشآت أو استثمارات أقيمت بصورة مشروعة خلال سنوات سابقة.

ولا يبدو من العدالة أن تتحول المصلحة العامة إلى سبب يجعل هؤلاء يتحملون وحدهم عبئا استثنائيا كان يمكن تجنب جزء منه بالتخطيط المبكر أو التنسيق الأفضل، متى ثبت أنهم لم يكونوا يعلمون بقرب إنهاء مراكزهم وأن الإدارة استمرت في التعامل معهم على نحو سمح باستمرار استثماراتهم.

وفي الوقت ذاته، لا يصح أن يتحول التعويض إلى قاعدة آلية يستفيد منها كل منتفع لمجرد انتهاء ترخيصه، لأن هناك فرقا بين ضرر نشأ في ظل ثقة مبررة صنعتها التصرفات الإدارية، وبين خسارة تحملها شخص وهو يعلم أن حقه مؤقت وأن المشروع أصبح قريبا من التنفيذ.

وهذا التوازن هو الذي يحفظ للدولة كامل قدرتها على تنفيذ مشروعاتها، وفي الوقت نفسه يمنع تحميل فرد أو مجموعة محدودة وحدهم تكلفة انتقال المجتمع كله إلى واقع تنموي جديد.

ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه مثل هذه الحالات لا يتعلق بالماضي بقدر ما يتعلق بالمستقبل؛ فكل مشروع عام كبير يبدأ التخطيط له في منطقة توجد بها مراكز قانونية قائمة ينبغي أن تصاحبه منذ مراحله المبكرة خطة لإدارة هذه المراكز، بحيث يزداد وضوح موقف الإدارة كلما اقترب المشروع من التنفيذ، وتتراجع تدريجيا الموافقات التي يمكن أن تنشئ استثمارات جديدة يصعب التعامل معها لاحقا.

فالتخطيط الجيد للمشروع العام لا يقتصر على تصميمه وتمويله وتحديد موعد تنفيذه، وإنما يشمل كذلك إدارة الفترة الانتقالية السابقة عليه.

وكل مبلغ يستطيع الفرد تجنب إنفاقه نتيجة وضوح موقف الإدارة هو ضرر لن يطالب بتعويضه مستقبلا، وكل مركز جديد يمنع من النشوء بعد أن يصبح الإخلاء قريبا هو منازعة محتملة تم تجنبها قبل أن تصل إلى القضاء.

وبذلك لا تصبح حماية حقوق المنتفعين عائقا أمام التنمية، بل جزءا من حسن إدارتها.

فالدولة ليست مطالبة بأن تبقي الأوضاع المؤقتة إلى الأبد، ولا بأن تتخلى عن مشروع عام لأن تنفيذه سيؤثر في بعض المراكز القائمة، وإنما بأن تدير الانتقال من الوضع القديم إلى الوضع الجديد بدرجة من الوضوح والتدرج تقلل الضرر بقدر الإمكان، ثم تتيح جبر ما يثبت من ضرر لم يكن في مقدور صاحبه توقعه أو تفاديه.

فجودة المشروع العام لا تقاس فقط بما سيضيفه بعد اكتماله، وإنما أيضا بمدى نجاح التخطيط في الوصول إليه دون أن يتحمل عدد محدود من الأفراد وحدهم تكلفة سنوات من القرارات والتصرفات التي سبقت تنفيذه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *