مقدمة
تثير عقود الاستثمار العقاري في الكويت إشكالية قانونية مهمة حين يعهد مالك العقار إلى مستثمر باستغلاله وإعادة تأجير وحداته للغير، ثم تنتهي العلاقة بينهما بسبب إخلال المستثمر بالتزاماته ويصدر لصالح المالك حكم بإخلائه، بينما يكون العقار مشغولاً بمستأجرين أبرموا عقودهم مع المستثمر بصورة صحيحة وانتظموا في الوفاء بالتزاماتهم. وتبرز المسألة عند الشروع في تنفيذ الحكم على العقار بأكمله: هل يتحمل المستأجر تبعة إخلال المستثمر الذي تلقى منه حق الإيجار؟ وقد عالج المشرع هذه المسألة في المادة الأولى من المرسوم بالقانون رقم 35 لسنة 1978 في شأن إيجار العقارات، فقرر استمرار عقد المستأجر من المضارب في مواجهة المالك أو المضارب الجديد عند انتهاء عقد الاستثمار لأي سبب.
أولاً: الطبيعة القانونية لعقود الاستثمار العقاري والفرق بينها وبين الإيجار العادي
تتعدد صور استغلال العقارات، فقد يؤجر المالك عقاره للانتفاع به مباشرة، وقد يعهد إلى مستثمر باستغلاله وإعادة تأجير وحداته بقصد تحقيق الربح. والعبرة في تحديد طبيعة العقد بحقيقة إرادة المتعاقدين وشروطه وغرضه الاقتصادي، ولو أطلقا عليه وصف الإيجار. وقد نصت المادة الأولى من قانون الإيجارات على أن العقود التي تشتمل على شروط جوهرية غير مألوفة في الإيجار العادي أو يقصد منها مجرد المضاربة لتحقيق ربح مادي تخضع لقانون التجارة أو غيره بحسب الأحوال. وقررت محكمة التمييز أن تفسير العقد واستخلاص حقيقة العلاقة ومدى اشتمالها على شروط غير مألوفة من سلطة محكمة الموضوع متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة (الطعن رقم 219 لسنة 2007، جلسة 2/11/2008). ويعد تخويل المستثمر إعادة التأجير بقصد الربح عنصراً مهماً في هذا التكييف، مع وجوب النظر إلى سائر شروط العقد وظروف تنفيذه.
تسري أحكام هذا القانون على العقارات بما في ذلك الأراضي الفضاء المؤجرة للسكن أو لغير ذلك من الأغراض وتستثنى من ذلك الأراضي الزراعية. وإذا اشتمل العقد على شروط جوهرية غير مألوفة في الإيجار العادي أو كان القصد منه مجرد المضاربة لتحقيق ربح مادي أو وقع العقد على عين وما تحتويه من أموال تفوق في أهميتها العين المؤجرة بحسب قصد المتعاقدين والغاية من الإيجار فتسري أحكام قانون التجارة أو غيرها على حسب الأحوال. وفي حالة انتهاء العقد بين المالك والمضارب لأي سبب يستمر عقد المستأجر من المضارب نافذاً بشروطه فيما بينه وبين المالك والمضارب الجديد وفق أحكام هذا القانون
ثانياً: استمرار عقد المستأجر من المضارب عند انتهاء عقد الاستثمار
قرر المشرع في الفقرة الأخيرة من المادة الأولى حكماً خاصاً مؤداه استمرار عقد المستأجر من المضارب نافذاً بشروطه في مواجهة المالك أو المضارب الجديد، متى انتهت العلاقة بين المالك والمضارب لأي سبب. ويتسع عموم هذه العبارة، من حيث الأصل، لانقضاء مدة الاستثمار أو الاتفاق على إنهائه أو فسخه بسبب إخلال المستثمر، متى توافرت شروط حماية عقد المستأجر. وقد تناولت محكمة التمييز هذه المسألة في الطعن رقم 4306 لسنة 2023 تجاري، جلسة 25/6/2024، فقررت أن إخراج العلاقة بين المالك والمضارب من أحكام الإيجار العادي لا يحول دون استمرار عقد المستأجر من المضارب في مواجهة المالك أو المضارب الجديد وفقاً للنص الخاص. وتكشف المذكرة الإيضاحية أن المستأجرين من المضارب هم في الواقع المستأجرون الأصليون بالنظر إلى طبيعة العلاقة الاستثمارية. ويظل للمالك ما يقرره القانون والعقد من حقوق، بما فيها الأجرة وأسباب الإخلاء القانونية.
ثالثاً: هل يؤدي إخلال المستثمر بسداد الأجرة إلى سقوط حقوق المستأجرين منه؟
قد يتوقف المستثمر عن سداد مستحقات المالك فيحصل الأخير على حكم بفسخ عقد الاستثمار وإخلائه، في حين يكون المستأجرون من المستثمر قد أوفوا بالتزاماتهم. ويستفاد من المادة الأولى أن إخلال المستثمر بالتزاماته الشخصية وما يترتب عليه من فسخ العلاقة الأصلية لا يؤدي بمجرده إلى انقضاء عقود المستأجرين الذين تتوافر في شأنهم الحماية المقررة بالنص. ويقتضي تطبيق هذه الحماية التحقق من طبيعة العقد الأصلي، وثبوت سلطة المستثمر في إعادة التأجير، وصحة نشوء عقد المستأجر في ظل العلاقة الاستثمارية، ومدى التزامه بشروطه. وتتضح أهمية ذلك في المجمعات التجارية والمراكز الطبية والمنشآت الخدمية التي ينفق مستأجروها مبالغ كبيرة على تجهيز وحداتهم، وقد لا تكون لهم صلة بالإخلال الذي ارتكبه المستثمر تجاه المالك.
رابعاً: حجية حكم الإخلاء في مواجهة المستأجر الذي لم يكن طرفاً في الدعوى
تتحدد حجية الأحكام في المواد المدنية والتجارية وفق المادة 53 من قانون الإثبات بنطاق الخصومة وأطرافها وصفاتهم والحق الذي فصلت فيه المحكمة، مع مراعاة قواعد امتداد آثار الأحكام إلى الخلف في الحالات المقررة قانوناً. ومن ثم فإن صدور حكم بإخلاء المستثمر وتسليم العقار خالياً من الأشخاص والشواغل لا يحسم وحده مدى جواز تنفيذه على كل من يشغل العقار، إذ يتعين بحث سند شغل المستأجر ومدى استقلال مركزه القانوني وحمايته. ويجوز لمن توافرت له الصفة والمصلحة أن يتمسك بعدم الاعتداد بالحكم في مواجهته إذا كان لا يجوز الاحتجاج به عليه. ويختلف عدم الاعتداد بالحكم في مواجهة الغير عن إلغاء الحكم ذاته، إذ يظل الحكم قائماً ومنتجاً لآثاره بين أطراف الخصومة التي صدر فيها.
خامساً: منازعة التنفيذ الموضوعية وسيلة لحماية المستأجر
نصت المادة 210 من قانون المرافعات المدنية والتجارية على أن يرفع ما يعرض في التنفيذ من إشكالات إلى قاضي الأمور المستعجلة إذا كان المطلوب إجراء وقتياً، أما موضوع هذه الإشكالات فيرفع إلى المحكمة المختصة وفقاً للقواعد العامة. وبذلك يختلف الإشكال الوقتي الذي يستهدف إجراء مؤقتاً لا يمس أصل الحق عن المنازعة الموضوعية التي تستهدف حسم النزاع المتعلق بالتنفيذ. وقد أكدت محكمة التمييز هذا التمييز في الطعن رقم 204 لسنة 2018 تجاري، جلسة 11/4/2021. وللمستأجر الذي يستند إلى حق مستقل أن يطلب عدم الاعتداد بالسند التنفيذي في مواجهته وفقاً للشروط القانونية، مع تقديم عقد الاستثمار وما يثبت سلطة المستثمر في التأجير، وعقد إيجاره وإيصالات الوفاء والسند التنفيذي وإجراءات التنفيذ. ولا يترتب على مجرد إقامة المنازعة الموضوعية وقف التنفيذ تلقائياً، إذ يخضع الوقف المستعجل لشروطه القانونية.
سادساً: أثر استمرار عقد المستأجر من المضارب على حقوق مالك العقار
يترتب على استمرار عقد المستأجر وفقاً للمادة الأولى بقاء العلاقة الإيجارية بشروطها في مواجهة المالك أو المضارب الجديد في الحدود التي يقررها القانون. ويظل المستأجر ملتزماً بسداد الأجرة وتنفيذ التزاماته، ويحتفظ المالك بحقه في المطالبة بما يستحقه والتمسك بأسباب الإخلاء أو الإنهاء المقررة قانوناً. ويحقق هذا التنظيم التوفيق بين مصلحة المالك في استرداد حقوقه من المستثمر المخل، ومصلحة المستأجر في استمرار الانتفاع الذي تلقاه بصورة مشروعة.
سابعاً: ما الذي ينبغي مراعاته عند إبرام عقود الاستثمار العقاري وإعادة التأجير؟
تقتضي سلامة التعامل تحديد طبيعة العلاقة بين المالك والمستثمر ومدى سلطته في إعادة التأجير وآثار انتهاء الاستثمار على العقود المبرمة مع الغير. وينبغي للمستأجر التحقق من سند المستثمر وسلطته في التأجير والاحتفاظ بعقد الإيجار وإيصالات السداد والمراسلات والمستندات المثبتة لشغل العين، إذ يكون لهذه الأدلة أثر جوهري عند المنازعة في استمرار العقد أو في مدى جواز تنفيذ حكم الإخلاء. كما يتعين اختيار الإجراء القضائي المناسب بعد دراسة السند التنفيذي والمركز القانوني للمستأجر.
خاتمة
إن الحماية التي قررها المشرع الكويتي للمستأجر من المضارب ضمانة لاستقرار المعاملات العقارية، إذ تكفل استمرار الحقوق الإيجارية التي نشأت بصورة مشروعة في ظل علاقة الاستثمار، في الحدود التي رسمها القانون. وتبقى العبرة في كل نزاع بحقيقة العلاقة التعاقدية وسلطة المستثمر في إعادة التأجير وتاريخ نشوء حق المستأجر ومدى التزامه بعقده وحدود حجية الحكم المراد تنفيذه.
الأسئلة الشائعة حول فسخ عقود الاستثمار العقاري في الكويت
هل يؤدي فسخ عقد الاستثمار إلى إخلاء جميع المستأجرين؟
لا، إذ يستمر عقد المستأجر من المضارب وفق المادة الأولى متى توافرت شروط تطبيقها.
هل يستمر العقد إذا لم يسدد المستثمر أجرة المالك؟
من حيث الأصل نعم، إذا كان العقد محمياً بالنص وتوافرت شروطه.
ما الفرق بين الإيجار والمضاربة العقارية؟
يتحدد بحسب الغرض الاقتصادي وشروط العقد وحقيقة إرادة طرفيه.
هل يجوز تنفيذ حكم إخلاء المستثمر ضد مستأجر منه؟
يتوقف على مركز المستأجر القانوني ومدى امتداد آثار السند التنفيذي إليه.
هل يحق للمستأجر رفع دعوى عدم اعتداد؟
يجوز إذا توافرت الصفة والمصلحة وسند قانوني يحول دون الاحتجاج بالحكم عليه.
ما منازعة التنفيذ الموضوعية؟
هي منازعة يطلب فيها حسم النزاع الموضوعي المتعلق بالتنفيذ.
هل توقف المنازعة التنفيذ تلقائياً؟
لا، فالوقف المستعجل يخضع لشروط قانونية مستقلة.
هل يمكن للغير الاعتراض على التنفيذ؟
نعم متى توافرت شروط الغيرية والمصلحة وتعارض التنفيذ مع حقه.
هل يلتزم المالك بعقد المستأجر من المضارب؟
يستمر العقد بشروطه في مواجهة المالك أو المضارب الجديد وفق نطاق المادة الأولى.
ما المستندات المهمة للمستأجر؟
عقد الاستثمار أو الإذن بالتأجير، وعقد الإيجار، وإيصالات السداد، والسند التنفيذي وإجراءات التنفيذ.
